الذهبي

108

العقد الثمين في تراجم النحويين

وقد عمل السلفي له سيرة وطول ، وقال : كان في زمانه درة وشاحه ، وغرة أوضاحه ، ومالك رق المعاني ، فلله دره حين يتناثر من فيه دره . في كل معنى يكاد الميت يفهمه * حسنا ويعبده القرطاس والقلم هذا مع ما تجمع فيه من الخلال الرضية ، والخصال المرضية ، كالتبحر في اللغة ، والتقدم في النحو ، والمعرفة برجال الحديث والأنساب ، ونزاهة النفس ، والمواظبة على الشرع ، والتواضع الزائد للزاهدين ، والصلف التام على أبناء الدنيا ، وكان نادرة في أنساب العرب قاطبة ، كأنه يغرف من بحر ، سمعته يقول : ما دخلت بلدا يروى فيه الحديث إلا بدأت بسماع شيء منه قبل التصدي لشئوني ، وحفظت كتاب " البلغة " في اللغة وأنا صبي ، وما مقلت لغويا قط ، وأما النحو ، فعبد القاهر ، وأثنى عليه . وحكى لي الشريف أبو البقاء خطيب جامع السلطان قال : كان أبو المظفر يطالع الرقعة الطويلة مرة واحدة ، ويعيدها حفظا ، قال : وممن كان يبالغ في مدحه أبو نصر بن أبي حفص ، وأبو إسماعيل الأثعل الأصبهانيان كاتبا العصر ، وبلغني وأنا بسلماس أنه فوض إليه إشراف الممالك ، وأحضر عند السلطان محمد بن ملكشاه للشخصية وهو على سرير الملك ، فارتعد منه ووقع ، ورفع ميتا . قال شيرويه : سمع الأبيوردي من إسماعيل بن مسعدة ، وعبد القاهر الجرجاني ، وأبي الفتح الشيرازي بالري ، وعاصم بن الحسن ، إلى أن قال : وكان من أفراد الوقت الذين ملكوا القلوب بفضلهم ، وعمّروا الصدور بودهم متعصبا للسنة وأهلها ، وله تصانيف كثيرة ، ألف " تاريخ أبيورد ونسا " و " المختلف والمؤتلف " و " طبقات العلماء في كل فن " و " ما اختلف وائتلف من أنساب العرب " ، وله في النحو واللغة مصنفات ما سبق إليها ، حسن السيرة ، خفيف الروح ، متواضعا ، طرازا لأهل البلد . وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني : قدم بغداد سنة ثمانين ، ولازم خزانة الكتب النظامية ، وكان من الذكاء على وصف عجيب ، كان يسمع القصيدة الطويلة في نوبة ، فيرويها ، ويتصفح الكتاب مرة ، فيذكر فوائده ويحكيها ، كان